الثلاثاء، 1 أبريل 2025

  مسائل فكريّة:

الطائفيّةُ بريدُ التَكفيرِ والقَتْلِ!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الطائفيّةُ تعني في أيسرِ ما تعنيه؛ الانتماءَ العقديَّ والفكريَّ والسلوكيَّ إلى طائفةٍ من الناسِ، تابعت عالماً من العلماءِ، أو مفكّراً من المفكّرين في اجتهاداته، ونبذت اجتهاداتِ غيره ممَّن يخالفه.

والمذهبيّةُ فرعٌ أصيلٌ عن الطائفيّةِ، إنْ لم تَكُنْ تقييداً لإطلاقها!

فالحنفيّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسب أتباعُه إلى العالم أبي حنيفةَالنعمانِ بن ثابت الفارسيِّ (ت: 150 هـ).

والمالكيّةُ = مذهبٌ سنيّ ينتسب أتباعُه إلى العالم أبي عبدالله مالك بن أنسٍ الأصبحيّ اليمانيّ (ت: 179 هـ).

والشافعيّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسبُ أتباعُه إلى العالم أبي عبدالله محمد بن إدريسَ الشافعيّ القرشيِّ (ت: 204 هـ).

والحنبليّةُ = مذهبٌ سنيٌّ ينتسب أتباعُه إلى العالم أبي عبداللهِ أحمد بن محمّد بن حنبلٍ الشيبانيّ (ت: 241 هـ).

والإباضيّةُ = مذهبٌ ينتسبُ أتباعُه إلى القائدِ عبدالله بن إباضٍ التميميِّ المُريِّ الشيعيِّ، ثمّ الخارجيِّ (توفي بعد: 80 هـ).

والزيديّةُ = مذهبٌ شيعيّ ينتسبُ إلى عالمِ أهل البيتِ في زمانه زيدِ بن عليّ الهاشميّ (استشهد: 122 هـ).

والجعفريّةُ = مذهبٌ شيعيّ ينتسب إلى عالمِ أهل البيت في زمانه جعفر بن محمّد بن عليّ الهاشميّ (ت: 148 هـ).

والإسماعيليّةُ = مذهبٌ شيعيٌّ ينتسبُ أتباعُه إلى محمّد بن إسماعيلَ بن جعفرِ بن محمد الهاشميّ، ابنِ الذي قبله (ت: 138 هـ).

والمدارسُ السنيّةُ الأربعُ تجمعُ جميعها على أصولٍ، من أبرزها القدل بقدم القرآن الكريم (غير مخلوق) وعدالةِ جميع الصحابة، كبيرهم وصغيرهم، وتقيّهم، ومن دون الأتقياء منهم فضلاً، استئناساً بقول الله تعالى:

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) والقولِ بالقدر، وعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم الجائر.

ثمّ تختلف فيما بينها أشدّ ما يكون الاختلاف!

والمذاهبُ الشيعيّةُ الأربعة تجمع جميعها على أصول، من أبرزها:

العدلُ والتوحيدُ، وبطلانُ اطّرادِ عدالةِ جميع الصحابة، وبطلان القولِ بالجبر، وجواز الخروج على الحاكم الجائر.

ولو أنّنا أنْعَمْنا النَظَرَ في بطونِ الكتبِ العقديّة «الكلامية» لدى أتباعِ هذه المذاهبِ الثمانية؛ لوجدنا فيها مَسائلَ يكفّر بها أتباعُ كلِّ مذهبِ بقيةَ أصحاب المذاهب الأخرى، أو يضلّلونهم.

فمسألة خلق القرآن مثلاً، يكفّر أحمدُ ابن حنبلٍ جميع القائلين بخلق القرآن (الإباضيّة والمعتزلة والزيديّة).

ويضلّل ويبدّع الواقفةَ «الذين يقولون: القرآن كلامُ الله» ولا يزيدون، وهم الجعفريّة والإسماعيليّة وبعضُ أهل السنة، منهم الحسين بن علي الكرابيسيّ الشافعيّ، ومنهم الفقير عداب.

وأحمدُ ابن حنبلٍ يضلّل ويبدّع الذين يقولون: (لفظي بالقرآن مخلوق) ومن هؤلاء البخاريّ ومسلم وسائرُ الأشاعرةِ والماتريديّة وابن تيمية وابن القيّم من الحنابلة، والفقير عداب!

وجماهيرُ الأمّة بطوائفها - ما عدا الحنابلة - تكفّر المجسّمة والمشبّهة، ويعنون بذلك الكُرّاميةِ والحنابلة، والفقير عداب لا يكفّر المجسّمةَ والمشبّهةَ؛ لأنْ ليس فيهم عالمٌ مجتهدٌ، على نحو ما تقدّم من وجوبِ تحصيل علومٍ كثيرةٍ، حتى يستحقَّ العالم رتبةَ مجتهد، والعُذْرُ بالجهل مذهبي!

وبهذا تكون أمّةُ الإسلام جميعها - بدون  استثناء - بين كافرٍ وضالٍّ ومبتدع، بعضُها في نظر الآخرين من أمّة الإسلام!

ولكي نخرجَ من دائرةِ التكفير والضلال والتبديع؛ لا بدّ من أنْ نعتقدَ جميعاً بما يأتي:

أوّلاً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّه لا يوجد أحدٌ معصوماً عن الخطأ في السلوك، وعن القصور في الاجتهاد، بدْءاً من الصحابةِ رضي الله عنهم، وإلى زماننا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يوجد أدنى دليلٍ على عصمة الإمام عليٍّ ولا بقيّةِ أئمّة الإماميّة: الجعفريّة والإسماعيليّة!

ثانياً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّ «اجتهادَ» مَن سوى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لا يُلزِمُ أحداً سواه، من الصحابةِ فمن بعدهم، وهم لم يدعوا الناس إلى تقليدهم، والإمام عليٌّ عليه السلام حكم الأمة خمس سنين، وكان أقربُ تلامذته إليه عبدُالله بن عبّاس؛ يخالفُه في كثيرٍ من المسائلِ، وهو أحدُ قُوّاده وأهلِ مشورته، ولم يلزمه الإمام عليٌّ بمتابعته، ولم يقلْ له: إنّه إمام معصوم معيّنٌ من قبلِ الله تعالى!

ومن سوى الإمامِ عليٍّ؛ جميعهم دونَه في كلّ شيءٍ من أمورِ الدين والعلم!

فأنْ تذهب أنت أيها الإماميّ، فتعتقدَ أنّ أئمّتك معصومون، وأن الأمّة مطالبةٌ بمتابعة اجتهادهم، ولا تُلزم الأمّةَ باتّباع من هو أعلم منهم، أو من بعضهم؛ فهذا ضلالٌ مبين!

أين علمُ جدّي محمدٌ الجوادِ، وعلم جدّي عليّ الهادي العسكريّ، وعلم ولده الحسن العسكري؟ رحمهم الله تعالى.

إن قلتَ لي: كتبنا زاخرةٌ بالرواياتِ عنهم؛ أُجِبْك: كتبهم الروائيّة لا يثبت بصحيحها إلزامٌ وحقٌّ؛ لأنّ هؤلاء الأئمّة ليسوا منصوبين من الله تعالى، وليسوا أعلمَ من غيرهم يضاف إلى هذا أنّ (90%) من تلك الروايات هزيلةٌ باطلة، فاقدةٌ صفةَ الثبوتِ، فضلاً عن صفة الدين الملزم!

ثالثاً: لا بدَّ من أنْ نعتقدَ بأنّ حجيّةَ أقوال السلف؛ هي عندما يجمعوا فحسب، صحابةً كانوا، أم تابعين، أم مَن هم دونهم.

فلا يجوز شرعاً أنْ تختارَ أنت عدداً من السلفِ، تجعلهم قُدوتَك، ثمّ توجبُ على بقيّةِ الأمّةِ اتّباع هؤلاء السلفِ المَرضيين عندك.

ولهذا أقول دائماً: إنّ العقليّةَ الوهابيّة؛ مثل العقليّة الإماميّة تماماً!

الإماميّة يقولون: إنّ مذهبهم هو مذهب آلِ البيت المعصومين، وعلماءُ آل البيت ليسوا بمعصومين، وليسوا بأعلم من غيرهم، ولا يوجد بين أيدينا نصوصٌ تثبت وجوبَ اتّباع أقوالهم، على كثرة ما اختلفوا فيما بينهم!

 

والوهّابية يلزمون الأمّةَ بمقولة: (الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح) وهي مقولةٌ لا تقلُّ قبحاً وبعداً عن مقولةِ الإماميّة، إضافةً إلى ما يصاحبها من شدّةٍ وغلظةٍ في الدعوةِ والحوار.

رابعاً: لا بدَّ أنْ نوقنَ بأنّ الأمّةَ غيرُ راشدةٍ قطعاً، ولكي تعودَ إلى رُشْدها، يجبُ الابتعادُ تماماً عن قداسةِ الآباءِ من علماء آل البيت، وعلماء السلف، وأن نَعُدَّ جميعَ ما ثبتَ نَقلُه عنهم - دون روايته لأعلى! - هو اجتهادٌ شخصيّ، من كلّ واحدٍ منهم.

أمّا مقولةُ: «قولي هو قول أبي، وقول أبي هو قول جدّي» استنباطٌ ممّن نَسبَ إليهم هذه المقولةَ، ولا أدلَّ على وهائها من اختلافهم، وفسادِ طرقِ الروايةِ إليهم.

خامساً: يجب على الحاكم المسلمِ - وأوَّلهم رئيس بلدي سوريّا الحبيبة - أن يهتّموا أشدَّ الاهتمامِ بالعلماء، وأنْ يكرموهم بحيث يستطيعون التفرّغَ للعلم والتكميل والاجتهاد.

ثمّ عليهم أنْ ينشؤوا معاهدَ علميّةً تخصّصية، بعد المرحلةِ الجامعيّة الأولى، مُدّةُ الدراسة في كلّ معهدٍ سنتانِ، على الترتيب التصاعديِّ الآتي:

أوّلاً - المعهد العلميّ العالي للحديثِ النبويّ: يُدرّس للباحثين في هذا المعهد:

علومَ الحديث النظريّة «كتب الاصطلاح» وكتب العلل، وكتب الجرح والتعديل، والتخريج التطبيقيّ لكلِّ باحثٍ على تخريج (200) يختارها المعلّم المحدّث الناقدُ في الصحيحين فحسب!

إذْ الذي يقول في عصرنا هذا: «جميع ما في الصحيحين صحيح؛ مجنون رسميّ» ففي الصحيحين معاً:

(200) راوٍ ضعّفهم ابن حِبّان وحده!

(142) راوياً أعطاه ابن حجر درجة (مَقبول) إذا توبع، وإذا توبع؛ يكون حديثُه في درجةِ (حسن لغيره).

(91) راوياً، وصفهم الحفّاظُ بضربٍ من أضربِ الجهالةِ.

(114) راوياً من الوُحدانِ «الذين لم يروِ عنهم إلّا راوٍ واحدٍ».

(115) راوياً، سكت الحفّاظ المتقدّمون عن الحكم عليهم بجرح أو تعديل.

يُضافُ إلى هذا اختلافُ رواة الحديث الواحدِ، فيما بينهم:

بين الرفع والوقف.

بين الإرسال والاتّصال,

بين الانقطاعِ والاتّصال.

بين النقصان والزيادة.

وما سوى ذلك من علوم الجرح والتعديل كثير جدّا، تدلّ عليه كتبُ «الاصطلاح» دلالةً ظاهرةً لا تخفى على الباحثين.

ودعوى الإجماعِ باطلةٌ تماماً، فالإمام البخاريُّ أوّل من أفردَ الصحيحَ من الحديثِ، فجمع فيه (2561) حديثاً من دون تكرار.

فجاء مسلمٌ، فوافقه على (1718) حديثاً، وأعرض عن الباقي.

وجاء الترمذيّ فوافق البخاريّ ومسلماً معاً على (1096) حديثاً.

ووافق الترمذيُّ البخاريَّ وحده على تخريج (1283) حديثاً.

ووافق الترمذيُّ مسلماً وحده على تخريج (1568) حديثاً.

فيكون الترمذيّ أخرج ممّا أخرجه كلٌّ من البخاريّ ومسلمٍ، من دون تكرار (1782) من مجموع أحاديث كتابه البالغِ (3956) حديثاً.

ولم تكن الأحاديثِ التي وافقهما الترمذيّ على تخريجها على درجةٍ واحدةٍ من القبول!

بل فيهما من حكم عليها بحكم (حسن صحيح) و(صحيح) و(حسن غريب) و(حسن) وأبدى وجهةَ نظره في مئاتِ الأحاديثِ التي أعلّها.

فكيف يتأتّى أن يقول قائلٌ: «جميع ما في البخاريّ صحيح لذاتِه، وصحيح لغيره»؟

يُضافُ إلى هذا؛ أنّ (100) عالمٍ من أهل السنّة - في الحدِّ الأدنى - قد ضعّف كلٌّ منهم حديثاً أو أحاديثَ في الصحيحين، سأفرد لهم، أو لبعضهم منشوراً خاصّاً، إنْ شاء الله تعالى.

ومن برع ونجح في هذا المعهد، بدرجة (95%) دخل في المعهد الثاني.     

ثانياً -المعهد اللغويّ العالي لفنونِ العربيّة: يُدرَّس فيه جميع علوم وفنون العربيّةِ التي ضمّ «المُزهرُ» للسيوطيِّ التعريفَ بها.

ومن تفوّق في هذه العلوم كلّها بدرجة (95%) دخل في الثالث.

ثانياً- المعهد الأصوليّ العالي: يُدَرّس فيه علم أصول الفقه لدى مذاهب أهل السنّة في السنة الأولى، وعلم أصول الفقه لدى الشيعةِ في السنة الثانية.

ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) دخل في المعهد الثالث.

ثالثاً - المعهد العالي لمقاصد الشريعةِ ومصالحها ومكارمها: وُيدّرس في هذا المعهدِ القواعد الفقهيّة، ونظرية المصلحة المرسلة، ونظرية سدّ الذرائع، ونظرية المقاصد الشرعية، ونظريّة (الحقّ وسلطان وليّ الأمر المسلم في تقييده).

ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنحَ درجة مدرّس، ودخل في المعهد الرابع.

رابعاً- المعهَد العالي لعلومِ الفقه المقارنِ والنوازل: ويُدرَّسُ في هذا المعهد الفقه المقارن لدى أهل السُنّة في السَنَة الأولى، والفقه المقارن لدى المذاهب الشيعيّة مع الموازنة في السنة الثانية.

ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة أستاذ مساعد، ودخل في المعهد الخامس.

خامساً: المعهد العالي لأصول التفسير وعلوم القرآن: ويدَرَّسُ في هذا المعهد أصول وضوابط التفسير، والتفسير التحليليّ، والتفسير الموضوعي، والتفسير التعليمي الشامل للقرآن الكريم، وعلوم القرآن، في حدود كتاب الدكتور فضل حسن عبّاس «فرقان الإتقان» مع تصويبِ أستاذِ هذه المادّة لما في هذا الكتاب من مجانبةِ الصواب.

ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة أستاذ، ودخل في المعهد السادس.

سادساً: المعهد العالي لمقارنةِ المذاهبِ العقديّةِ والأديان، ويدرَّس في هذا المعهد أصول المذاهب العقديّةِ والفكريّة الإسلاميّةِ في السنة الأولى.

ويُدرّسُ أصولِ الأديانِ والمذاهب الفكريّةِ المعاصرةِ في السنة الثانية.

وقد أخّرتُ هذه المرحلةِ إلى هذا الموضع؛ لأنّ العقائدَ هي الفقه الأكبرِ، ومن الخطأ تلقين الطلّابِ العقيدةَ، وهم جهلةٌ أغرار، إنّما يدرسونها وهم علماء متمكّنون، ليكون للواحدِ منهم بناءُ عقيدته اجتهاداً، لا تقليداً.

ومن أغرب غرائبِ قولِ أحدِ ناطمي متون العقائد الأشعريّة وشارحه قوله:

(فكلُّ مَنْ كُلّفَ شرعاً؛ وَجبا

عليه أنْ يعرفَ ما قد وجبا

للهِ والجائزَ والممتنعا

ومثلَ ذا لرسله، فاستمعا

إذْ كلُّ من قلّدَ في التوحيدِ

إيمانُه لم يَخْلُ من ترديد)

ومع هذا لا يجوز بحالٍ من الأحوالِ أن تخالفَ الأشاعرةَ، وإلّا فأنت ضالٌّ مضلٌّ، في أحسن أحوالك!

أمّا وفقَ منهجنا الذي ذكرناه سابقاً؛ فيحقّ لك أن تخالفَ جميعَ علماءِ الأمة في المسائل الخلافيّة، وأنت مأجورٌ مثابٌ.

ومن برع ونجح في هذا المعهد بدرجة (95%) مُنح درجة أستاذ متمرّس، ودخل في المعهد السابع.

ومن وصل إلى درجة أستاذ متمرّس؛ يحقّ له تعليمُ الموادِّ العلمية السابقة في المراحل الستّ المتقدّمة كلّها.

سابعاً: المعهد العالي لإعداد المجتهدين: لا يَدرسُ العالم في هذه المرحلةِ أيّ موادَّ دراسيّة، إنّما يُمنح من ثلاثِ إلى أربعِ سنواتٍ؛ ليكتب أطروحة علميّةً في موضوعاتٍ خلافيّةٍ، يُوافق عليه العلماءُ الذين حصلوا على درجة «أستاذ متمرّس» فحسب.

فإذا قُبلَت أطروحتُه وحازت على درجة (95%) أعطي درجةَ (مجتهدٍ مطلق) وغدا من حقّه أن يكون وزيرَ العدلِ، أو رئيس مجلس النوّاب، أو رئيس مجلس الإفتاء العام، أو رئيس مجلس القضاء الأعلى.

وأنا أجزم بأنّ أحداً من أئمّة المذاهب الإسلاميّة كلها؛ لم يبلغ هذه المراتبِ العلميّةِ كلّها، وإنْ كان أحدٌ قد بلغ هذه المراتب في تاريخنا، بعدَ مجتهدي الصحابة رضي الله عنهم؛ فهم نوادر، من أمثال الإمام الشافعيّ والإمام ابن حزم، والإمام ابن عبدالبرّ، والإمام القرافي.

ختاماً: كان على حكّام المسلمين في تاريخنا الطويلِ؛ أنْ لا يكرّسوا فكرةَ التقليدِ، الذي هو تبعٌ للاجتهادِ الفرديّ، وإلزام الناسِ بالمذهبيّة الممزّقة.

بيد أنّ الساسةَ يهمّهم أمران:

الأوّل: دوام تربّعهم على عروش بلاد المسلمين.

والثاني: تأمينُ كفايةِ الرعيّة من الضروريّات الخمسِ، في حدّها الأدنى، على النحو الآتي: حفظ النفس، وحفظ النسل، حفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ اسمِ الدين.

 أمّا حفظُ حريّةِ المسلمِ وكرامتِه؛ فلم أقفْ على مَن كان يهتمّ أن تتمتّع الرعيّةُ بها.

هكذا هو الترتيب عند حكّام المسلمين، على مدار التاريخ.

وأنا أرجو من حكّامنا في سوريا الحبيبة أنْ تكون الضروريّات لديهم، على النحو الآتي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظُ حريّةِ المسلمِ وكرامتِه، وحفظ النسل، وحفظ المال.

وإنّما جعلتُ رتبةَ حفظِ الدين ثالثاً؛ لأنّ المتوفَّى لم يعد لديه ضروريات حياتية.

ولأنّ غير العاقلِ غيرُ مطالبٍ بالدين أساساً.  

وفي المنشورِ التالي؛ سأعرضُ للقارئ الكريم منقولاً، تدلُّ على أنّ علماءَ جميع فرق المسلمين المتقدّمة؛ إنما يريدون بعلمهم واجتهاداتهم وجهَ الله تعالى، ولم أقف على مَن يريد هدمَ الدين من العلماء المعتمدين لدى كلِّ مذهب!

أمّا تكفيرُ بَعضِنا بَعضاً، واستحلالُ بعضِنا دماءَ بعضٍ، وقيامُ هذه الحروب بيننا؛ فأكبر أسبابها هذه المذاهبُ المقدّسةُ، وليس فيها مذهبٌ مقدّسٌ.

والله تعالى أعلم

والحمد لله على كلّ حال.

الأحد، 30 مارس 2025

  في سَبيلِ العِلْمِ:

هل الشيعةُ الإماميّة مَجوس؟!

بسم الله الرحم الرحيم

أعتذرُ عمّا وقع في منشور فجرِ هذا اليوم (الشيعة مجوس هذه الأمّة) من أخطاءَ كتابيّةٍ سببها أنني غَفَوْت وأنا أكتبُه عِدّةَ مرّاتٍ!

مرّاتٍ كثيراتٍ قلت لكم: إنني عايشتُ الشيعةَ الإماميّة عن قُربٍ تسعَ سنواتٍ!

ومرّاتٍ عديداتٍ قلت لكم: إنني التقيتُ بكبار مَن يلقّبونهم بآياتِ الله العظمى!

ومرّاتٍ أقلّ قلت لكم: إنني مجازٌ إجازةً حديثيّة عامّةً، من أحدِ أكبر علمائهم ومحقّقيهم وهو المسندُ السيّد محمّد مهدي  الخرسان الموسويّ، رحمه الله تعالى.

لم أقُلْ هذا الكلامَ افتخاراً ولا تشبّعاً، فأنا لست مؤمناً بعقائدهم السياسيّة (نظريّةِ الإمامةِ) ولا بسلوكيّاتهم  الاجتماعيّة من (اللطم والتطبير والنواح والصراخ وتجديد الأحزان والزيارات) إلخ بتاتاً.

إنّما أكرّر ذكرَ مثل هذه الكلماتِ؛ ليوقنَ القارئُ السنّيُّ والشيعيُّ أنّني أعرف (الفكرَ الإماميّ) مثلما أعرف (الفكرَ السنيَّ) تقريباً.

والهدفُ من وراءِ قراءةِ مئاتِ الكتبِ والرسائلِ الإماميّة؛ هو معرفةُ مواطنِ إصابتهم ومواطن أخطائهم، فنُشيدُ بمواطنِ الإصابةِ، وننبّه إلى مواطن الخطأ، ولا نفتري على القومِ بما يزيدُ من عداوتهم تجاهنا، ولا نغضّ الطرفَ عمّا لديهم من الخيرِ، وهو كثيرٌ كثير!

وبسبب موقفي العلميِّ ذاك؛ نالني من جهّالِ الإماميّة وجهّال أهل السنّة؛ ما لا يخفى على متابعي صفحتي القدماءِ والجُدد!

وسأنقل إليك أخي القارئ الكريم نماذجَ توضحُ نظرةَ الشيعة الإماميّة إلى المجوسِ، باختصارٍ شديدٍ، من كتب التفسير والحديث والفقه والعقائدِ.

أوّلاً: من كتب التفسير:

قال أبو الحسن عليُّ بنُ إبراهيمَ القُميُّ في تفسيره سورةَ الصمد:

حدّثنا الحسنُ بنُ عليِّ بنِ حمّادِ بنِ مِهرانَ قال: وساق إسناده إلى عبدالله بن عبّاسٍ، رضي الله عنهما قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: صِفْ لنا ربّك لنعرفه فنعبده؟

فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) يعني غيرَ مُبَعّضٍ ولا مُجَزّئٍ ولا مُكُيَّفٍ، ولا يقع عليه اسم العَددِ ولا الزيادةُ ولا النقصانُ (اللهُ الصَّمَدُ) الذي قد انتهى إليه السؤددِ، الذي يَصمَد أهل السماوات والأرض بحوائجهم إليه.

لم يَلِدْ منهُ عُزَيرٌ كما قالت اليهودُ عليهم لعائنُ اللهِ وسَخَطُه، ولا المسيح كما قالت النَصارى عليهم سَخطُ اللهِ، ولا الشمسُ والقمرُ ولا النجومُ، كما قالت المجوسُ عليهم لعائنُ اللهِ وسَخَطُه».

وأورد هذا الكلام ذاتَه العلّامةُ المحدثُ المفسِّرُ السيدُ هاشمٌ الحُسينيُّ البحرانيُّ

(ت: 1107 هـ) في تفسير سورة الصمد من تفسيره «البرهان في تفسير القرآن».

ثانياً: من كتب الحديث:

قال شيخ الطائفة أبو جعفرٍ الطوسيُّ في كتابه الأمالي، رقم (993): ابن عقدةَ الحافظُ قال: حدثني عبدُالله بنُ إبراهيمَ بنِ قُتيبةَ، وساق سنده إلى أبي عبدالله جعفرٍ الصادق عليه السلام قال: (لا تَسْتَعِنْ بالمجوسِ، و لو على أخذِ قوائمِ شاتِك، وأنت تريدُ ذَبحَها).

وقال السيّد محمد رضا الحسينيُّ الجلاليّ في كتابه تدوين السنّة الشريفة (ص: 402): «الشيعة كانوا ولا يزالون - بفضل اتّكالهم على الله، والتزامهم بالقرآن، واعتمادهم على السنّة... وبفضل اتّباعهم لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ـ على أفضل ما يكون عليه المسلم المؤمن من الإيمان الخالص الذي لا يشوبه شركٌ ولا إلحاد ولا جبر ولا تفويض ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تعجيز ولا حلول».

إلى أن يقول: «ويتركون المحرّمات، فيحرّمون الخمرَ، حتّى النَبيذَ، والزنى، والظلمَ، والتَعاونَ مع الظالم, ويَبرؤون من اليهودِ والنصارىِ والمجوسِ، وكلِّ مَن لا يَنتمي إلى الإسلامِ».

وقال الشيخ أمين ترمس العاملي في كتابه «ثلاثيات الكافي» رقم (112): عليُّ بن إبراهيمَ عن هارونَ بنِ مُسلم، عن مَسعدةَ بن زيادٍ، عن أبي عبدِاللهِ «جعفر الصادق» أنّه سُئل عن الشطرنج ؟ فقاذ: (دَعوا المجوسيّةَ لأهلها، لعنها الله) يعني لعن المجوسيّة!

ثالثاً: من كتب الفقه:

قال آيةُ اللهِ العُظمى الشيخُ محمّدٌ الفاضلُ اللّنكرانيُّ في كتابه «كتاب الطلاق والمواريث» (بابٌ في ميراث المجوس وغيرهم من الكفّار): «المجوسُ وغيرهم من فرق الكفّار قد يَنكحون المحرّماتِ عندنا، بمقتضى مذهبهم - على ما قيل - وقد ينكحون المحلّلات عندنا.

العلّة في إيراد هذا الفصلِ؛ ما هو شائعٌ من أنّ المجوسَ قد ينكحون المحرّماتِ كالبنت والاُخت والاُمّ.

مع أنّك عرفت فيما تقدّم (ص: 342) أنّي رأيت في بلدة «يَزْدَ»  التي هي مَركز المجوسِ «في إيرانَ» حين إقامتي فيها بالإقامة الإجبارية في زمن الطاغوت «يقصد شاه إيران» كتاباً ألّفه بعضُ فُضلائهم، قد أنكر فيه أشدّ الإنكار ذلك، وقال: إنّ المجوسَ لا ينكحون المحرّمات النَسبيّة المَعُروفة كالاُمّ والاُخت والبنت.

وزعم أنّ هذا بهتان عليهم وإيراد غيرُ صحيحٍ على مذهبهم الفاسد .

وكيف كان؛ فلا إشكال في أنّ المجوس وغيرهم من فرق الكفّار ، إذا لم يَكُنْ نِكاحهم صحيحاً في مذهبهم - ولو كان باطلا عندنا - لا يَتحقّق بينهم توارث».

وقال الشيخُ المفيدُ في كتابه «المُقنعة» (ص: 508): «لا بأس أن ينكح الحرُّ المسلمُ بملكِ اليَمين ما شاء من العددِ، على أربع حرائر عنده.

ويَنكِح بملكِ اليمين النصرانيةَ واليهوديةَ، و لا يجوز له ذلك بعقد نكاحٍ، ولا يَجوز له وطءُ المجوسيّة و الصابئيّة والوثنيةِ على حال».

رابعاً: من كتب العقائد:

قال السيد علي الحسيني الميلانيُّ في كتابه «العصمة» (ص: 43):

« قولنا بأن الائمة معصومون حتى من السهو والخطأ، والنسيان، هذا ليس غلوّاً في حقهم، إنّهم - سلام الله عليهم - يُبغضون الغالي، ويكرهون الغلو، وإنه قد ورد عنهم: «احذروا على شبابكم الغلاةَ، لا يُفسدوهم؛ فإنّ الغُلاةَ شرُّ خلق الله، يُصغّرون عظمةَ اللهِ، ويَدّعون الربوبية لعباد الله!

وإنّ الغُلاةَ لشرٌّ مِن اليهود والنصارى والمجوسِ والذين أشركوا».

وقال الشيخُ شيثُ بن إبراهيمَ في كتابه «حَزُّ الغَلاصم في إفحامِ المُخاصِم» (ص: 29): « وما أحسنَ الذي جرى بين مجوسيٍّ وقدريٍّ «معتزليّ» وهما في اعتقاد هذه الأمة سواءٌ؛ لأن المجوسَ يقولون بآلهين، ويُسَمَّون الثَنويةَ لذلك.

وقد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يَقول فيه: (القدرية مجوس هذه الأمّة) (1) مِن حيث إنّهم جعلوا مع الله شركاءَ كثيراً!

فالخَلْق عندهم خالقون لأفعالهم - حسَنها وقبيحِها - والمجوس يجعلون مع الله شريكاً واحداً، يخلق الشرَّ لا غير!

وهؤلاء القدريّةُ يقولون: إنّ الخلقَ يَخلقون إيمانَهم وكفرهَم وطاعتَهم وعصيانهم».

قال الفقير عداب: أظنّ فيما تقدّم غُنيةً عن التطويلِ بخطأ نِسبةِ الشيعة الإماميّة إلى المجوسِ، بل هي افتراءٌ عليهم، وسيحاسب الله تعالى من يتّهمهم بها يوم القيامة!

وسببُ إطلاقِ مثلِ هذه التُهم على الشيعةِ الإماميّة (مجوس - عبّاد البشر - يتّهمون أمّهاتِ المؤمنين بأعراضهّن - تحريف القرآن الكريم) عدمُ اطّلاعِ المُتَّهِمينَ على كتبهم، وعدمُ حوارهم مع علمائهم.

وثمّةَ شيء آخر سمعتُه من كثيرين من أهل السنّة - وأنا معهم في هذا - وهو أنّ الشيعةَ الإماميّة يحكمون إيرانَ والعراقَ، ويَستطيعون أن يدافعوا عن الحقّ، ويدمغوا الباطل!

فنحن نشاهد على القنواتِ الفضائيّةِ أهل الغلوّ السفلةِ منهم، من أمثال القبانجيّ الذي يكفر صراحاً، ومثل ياسر الحبيب، ومثل أمير القرشيّ، وعبدالحليم الغزي، وأمثالِهم.

لماذا لا يأخذون على أيدي هؤلاء الغلاةِ حتى الثمالةِ، إذا كانوا ينكرون ما ينشرونه من الغلوّ الباطل؟

هم بين خيارين:

إمّا أنهم عاجزون عن ردع هؤلاء السفلةِ، وهذا باطل !

أو إنّ ضلالات هؤلاء الأوباش العقدية والفكريّة، لا تهتمّ لها السلطاتُ والمراجع أصلاً!

والذي يعنيهم استمرارُ اسم التشيّع - ولو كان فارغاً من مضمونه - ما دام الحكمُ والسلطة في أيديهم.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1) حديث (القدرية مجوس هذه الأمة) أخرجه أحمد في مسنده (5227) وأبو داود (4691) من حديث عبدالله بن عمر مروفاعاً، وأخرجه أحمد (22359) وأبو داود (4692) من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعاً، وأخرجه ابن ماجه (92) من حديث جابر بن عبدالله مرفوعاً.

وثلاثتها أحاديثُ ضعيفةٌ، ولا يصحّ في هذا الباب شيءٌ!

الجمعة، 21 مارس 2025

   مسائلُ عقديّة:

احتفالُ المسلمِ بعيدِ النيروز!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

تَردّدتُ كثيراً في الإجابةِ على هذا السؤالِ، خشيةَ أنْ يُحْمَلَ كلامي على غير وجهه!

بيد أنني وقفتُ على فيديو، يقول فيه أحدُ ذووي اللحى من جهّال السوريين:

«عيدُ النيروز ليس عيداً لأهلنا الأكراد، إنما هو عيدٌ لجميعِ السوريين، وها نحن نحتفل معهم بعيد النيروز» فقلت في نفسي: كم تضرُّ المجاملةُ بأهلها، وتذكّرت قول رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً؛ يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً؛ يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) أخرجه البخاريّ (6478) وهذا لفظه، ومسلم (2988) فرأيتُ أنّه تعيّن عليّ البيان.

قال الله تبارك وتعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) [الحجّ].

وقد فسّر بعضُ العلماءِ «المنسكَ» هنا بالعيد!

وعيدُ النيروز يكون في أوّلِ أيّام فصلِ الربيع، وعيد المهرجان يكون في أوائل فصل الخريف! 

ومن المعلومِ أنّ عيدَ النيروزِ وعيدَ المهرجانِ؛ أعظمُ أعيادِ المجوسِ، وليسا هما بعيدين للعرب ولا للترك ولا للأكراد!

إنّما بعضُ الأكرادِ الذين يميلون إلى الفكرِ القوميّ، أو الفكر العلمانيّ، يحتفلون بهما، كيداً للمسلمين، أو تقليداً للأجداد بجهلٍ وعصبيّة، إذْ أصولُ الأكرادِ من الفرس!

وقد وجدتُ للإمامِ الذهبيّ كلاماً خفيفاً لطيفاً، أحببتُ نقلَه تخفيفاً على المحتفلين، ومراعاةً للوضع السوريّ في هذه الأيّام النحسات!   

قال الإمام الذهبيّ في رسالةِ «التمسك بالسنن والتحذير من البدع» نقلاً عن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد (103 - 104) ما نصّه:

«أمّا مشابهةُ أهلِ الذمّةِ في أعيادِ الميلادِ، والخميس، والنيروز؛ فبدعة وحشة.
فإن فَعلها المسلم تديُّناً؛ فجاهلٌ، يُزجَرُ وُيعَلَّم، وإنْ فَعلها حُبّاً بأهل الذِّمةِ، وابتهاجاً بأعيادهم؛ فمذمومٌ أيضاً، وإنْ فعلها عادةً ولعباً، وإرضاءً لعياله، وجبراً لأطفاله؛ فهذا مَحلُّ نَظر، و(إنّما الأعمالُ بالنيَّات) والجاهلُ يُعذَر، ويُبينُ له برفقٍ، واللهُ أعلم».

ختاماً: ليس الاحتفالُ بعيدِ النيروزِ من شعائر الإسلامِ، إنّما هو من مناسكِ المجوسِ ومن تأثّر بهم.

وإصرارُ بعضِ الأكرادِ وغيرهِم على الاحتفالِ به، وعدُّهم إيّاه من أعيادهم القوميّةِ؛ مخالفٌ لهدي الإسلامِ، والتعصّبُ القومي مذموم ممقوتٌ في ديننا الحنيف!

قال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ،النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ.

لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ) أخرجه أبو داود (5116) والترمذيّ (3955) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.

وما الذي يصنعه المحتفلون بهذا العيدِ المجوسيّ، سوى الرقصِ والغناءِ واختلاط الرجال بالنساء، وهذا مظاهر جاهليّةٌ مرفوضةٌ في ديننا الإسلاميّ الحنيف؟!

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

  مَسائِلُ مِن الفِقْهِ والأُصولِ:

هَلْ يُخْرِجُ زكاةَ فِطْره نقداً ؟!

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم

ذهب جمهور العلماءِ إلى أنّ زكاةَ الفطر فريضةٌ، لما أخرجه البخاريّ (1503) ومسلم (984) من حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما قال: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ) وظاهر قوله «فرض» للوجوب.

وأخرج البخاريّ (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ، رضي الله عنه قال: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ).

والراجح عندي أنّ المقصود بالطعامِ؛ القمحُ، أو البُرُّ!

والأقِط: ويسمى في بلادنا: الهِقط، ويقال له: الكشك والجَميد.

والصاع: يَقرُبُ من ثلاثةِ كيلو غرامات، فمن أخرج زكاةَ فطره بهذا المقدار؛ فقد برئت ذمّته، إن شاء الله تعالى.

وأفضل وقتٍ لإخراجها قُبيلَ العيدِ بيومٍ أو يومين، ولا يصحُّ تأخيرها إلى ما بعدَ صلاة العيد، وأنا أخرجها يوم السابع والعشرين، أو بعده.

وهل الأفضلُ إخراجُ زكاةِ الفِطرِ من قوتِ أهل البلدِ الذي يُقيم فيه، أو الأفضل أن يخرجها من قوتِ نفسه؟

وجهان صحيحان يُجزئان، إن شاء الله تعالى، والأفضلُ أن يخرج زكاةَ فطره من قوتِ نفسِه.

توضيح ذلك: طعامي الرئيسُ منذ ستين عاماً تقريباً هو «الأرُزّ».

والأرزّ أنواع كثيرةٌ، منها ما يساوي «الكيلو» منه أربعين ليرةً تركيّة!

ومنه ما يساوي سبعين ليرةً تركيّة!

فإنْ كان طعامي «الأرزّ» الأغلى، الذي يساوي سبعين ليرةً تركية؛ فالأفضل أن تكون صدقتي من هذا «الأرزّ» الأغلى.

والذي أفتي به دائماً مراعاةُ حال المتصدّق «المزكّي» وحال الفقير!

ولا يخفى على أصحاب البيوتِ أنّ بعضَ أنواع الأقط، الكيلو الواحد منه يساوي (100) دولارٍ أمريكيّ، وبعضه يساوي عَشرَ دولاراتٍ!

وأنّ قيمةَ كيلو الزبيب؛ أضعافُ قيمة كيلو «الأرزّ» فيحسن أن ينظُرَ كلُّ امرئٍ إلى وضعِه الماليّ، وإلى سخاوةِ نفسه، وقوّةِ يقينه (ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقة) أخرجه أحمد والترمذيّ (2325) وقال: حديث حسن صحيح.

وهل يجوزُ إخراجُ قيمةِ صاعٍ من شعير أو من تمرٍ، أو يجبُ إخراج زكاة فطره من قوتِ أهلِ بلده، أو من قوتِ نفسه؟

لا خلافَ بين أهل العلمِ أنّ إخراجَ زكاةِ فطره عيناً (صاع من بُرٍّ، أو صاعٌ من شعير...) إلخ؛ مشروعٌ ومجزئٌ.

وجوّزَ السادةُ الحنفيّةُ إخراجَ زكاةِ الفطر نقداً (بالقيمة) ورأوا أنّ هذا أفضلُ.

والأفضل في نظري؛ ما كانَ أوفقَ لحالِ الفقيرِ، الذي ستُدفع إليه زكاة الفِطر، فإن كانت حاجتُه إلى العين «الأرزّ» أكثرَ؛ دُفِعت إليه زكاةُ الفطر عيناً، وإن كانت حاجته إلى القيمة «النقد» أكثرَ؛ دُفعت إليه نقداً.

وعندما كنتُ ذا مالٍ؛ كنتُ أخرجُ زكاةَ فطري وزكواتِ فطرِ أسرتي (صاعين من رزّ) وقيمتهما نقداً، أمّا الآن؛ فالله المستعان.

ولأنّ أكثرَ الذين يعارضون إخراجَ زكاةِ الفطر نقداً؛ هو سلفيّةُ اليوم؛ فيحسن أن أنقل إليهم كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (25: 82) إذ قال: «وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ، و قَدْ مَنَعَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللهُ، الْقِيمَةَ فِي مَوَاضِعَ، وَجَوَّزَهَا فِي مَوَاضِعَ.

فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ؛ مَمْنوعٌ مِنْهُ» وكلامُه ظاهرٌ في مراعاةِ مصلحة المُزكّي والفقير في ذلك.

والله تعالى أعلم.

والحمد لله على كلّ حال.

الثلاثاء، 11 مارس 2025

  مسائل فكرية:

نَشر المذهب الوهابي في سوريا!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

عايشتُ الشبابَ الوهابيَّ معايشة قريبة، طيلةَ ثلاثةَ عشر عاماً في الحجاز.

منها تسع سنوات في مكة المكرمة، وأربع سنوات في الطائف المأنوس.

فأنا أعرف الوهابيةَ الجاهلةَ الأولى.

وأعرف الوهابية الرسمية من لدن عبدالعزيز ابن سعود.

وأعرف الوهابية المدخلية.

واعرف المدخلية الجامية.

واعرف السلفية التيمية.

وأعرف السلفية الجهادية.

وأعرف السلفية السرورية.

واعرف السلفية العلمية.

جميع هذه الوهابيات، وتلك السلفيات؛ انبثقت عن المذهب البغدادي العاميّ، الذي رقعوه من هنا وهناك وهنالك، ثم أطلقوا عليه عنوان (المذهب الحنبلي).

وأحمد رحمه الله تعالى؛ كان ينهى عن كتابة أقواله وفتاواه، بل كان ينهى عن تأليف الكتب من الأساس.

لكن أتباعه - عامّةَ بغداد - أبوا إلا أن يجعلوا منه إماماً مجتهداً، واجتهدوا في تتبع روايات أصحابه عنه، ومَن لقيه ولو مرة واحدة، أو روى عنه مسألة واحدة، ورتبوا ما وجدوه من كلامه الفقهي على الأبواب الفقهية، وحشدوا له الأدلة النقلية والاجتهاديّة، ثم قدموه إلى الناس، على أنه مذهب أهل السنة والجماعة!

وعندما وجدوا لأحمدَ أقوالا كثيرة متعارضة؛ رجّح كل واحد من أئمتهم أحد تلك الأقوال، أو حكى عن أحمد أبرز الأقوال في المسألة الواحدة، وأعرض عن الباقي.

ولأن كلام أحمد مقدسٌ، لا يجوز إغفاله عند أتباعه؛ فقد قام أبو يعلى الحنبلي الفراء (ت: 458 هـ) فصنف كتابا واسعا أسماه (كتاب الروايتين والوجهين).

ومن المسائل الظاهرية البحتة فيه (٣: ١٣٣): هل يجوز حلقُ الرأسِ في غير حَجٍّ أو عمرة؟

قال أبو يعلى: (اختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس بغير حج أو عمرة، هل يكره أم لا؟

نقل المروذي والفضل بن زياد كراهية ذلك، ونقل حنبل جوازه).

وذهب يستدل لكلٍ من الروايتين الهزيلتين!

لكن أبا الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ) لم يجد كتاب ابي يعلى كافياً في حفظ أقوال أحمد، فصنّف كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)

جاء في اثني عشر مجلداً، قال في خطبته (ص: 3): «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ كِتَابَ «الْمُقْنِعِ» فِي الْفِقْهِ تَأْلِيفُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُوَفَّقِ الدِّينِ ابْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، مِنْ أَعْظَمِ الْكُتُبِ نَفْعًا، وَأَكْثَرِهَا جَمْعًا... قَدْ حَوَى غَالِبَ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ، فَمَنْ حَصَّلَهَا فَقَدْ ظَفِرَ بِالْكَنْزِ وَالْمَطْلَبِ.

فَهُوَ كَمَا قَالَ مُصَنِّفُهُ فِيهِ «جَامِعًا لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ» وَلَقَدْ صَدَقَ وَبَرَّ وَنَصَحَ، فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ وَالْإِنْصَافِ؛ وَجَدَ مَا قَالَ حَقًّا وَافِيًا بِالْمُرَادِ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ!

إلَّا أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَطْلَقَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ الْخِلَافَ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَاشْتَبَهَ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ الضَّعِيفُ مِنْ الصَّحِيحِ.

فَأَحْبَبْت - إنْ يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى - أَنْ أُبَيِّنَ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورَ، وَالْمَعْمُولَ عَلَيْهِ وَالْمَنْصُورَ، وَمَا اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَذَهَبُوا إلَيْهِ، وَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ».

وأورد عن أحمد في المسألة الواحدة ثلاث روايات (1: 27، 93، 313) و(2: 38، 133، 135) و(3: 381) و(4: 58، 185) وهكذا إلى نهايةِ المجلّد الثاني عشر من الكتاب!

وأورد عن أحمد في بعض المسائلِ أربع روايات (3: 41، 266) و(5: 67، 144) و(7: 357).

وأورد عن أحمد في بعض المسائلِ خمسَ روايات (7: 187) و(12: 133).

لعلّه لكثرة تلك الرواياتِ في المسألة الواحدةِ؛ لم يعدّه الإمامُ ابن جرير الطبريّ الشافعيّ في الفقهاء، وكتب الإمام ابن عبد البرّ الأندلسيّ كتابه «الانتقاء في فضائل الثلاثةِ الأئمة الفقهاء» وأورد فضائل الأئمة أبي حنيفةَ ومالك والشافعيّ، ولم يذكر فضائل أحمد البتّة!

وابتعاداً عن التطويل أوجّه كلامي إلى الإخوةِ السلفيين في قيادةِ سوريّا الجديدة:

أنا لست مذهبيّاً، لا في الاعتقادِ ولا في الفقه، ولا أحبَّ المذهبيّةَ أبداً، بيد أنّ مثلَ منهجي هذا يصلح لأهل العلم الذي جمعوا بين حفظ القرآن الكريم وتفسيره، وبين أصول الفقه وقواعده ومقاصده، وبين علم تخريج الحديثِ ونقده، وبين متانةٍ في علوم العربيّة (لسان هذا الدين).

أمّا أنْ تكلّفوا شبابكم الذين أدخلتموهم دوراتٍ تثقيفية «من شهر واحدٍ، إلى عدّةِ شهور» بأنْ يذهبوا إلى مساجد المسلمين في بلاد الشام ليعلموهم دينهم؛ فهذا عبثٌ أنزّهكم عنه، وأناشدكم بأن تبتعدوا عن تهييج الناس عليكم، ومذهبكم أضعفُ مذاهب أهل السنّةِ في الاعتقادات والفروع!

بل إنّ إمامكم الأكبر أحمدُ ابن حنبلٍ، ليس بمجتهد أصلاً، وإمامكم الثاني أحمد ابن تيمية ضعيف في علم النقد الحديثيّ تماماً.

أمّا إمامكم الدمويَّ الثالثَ محمّد بن عبدالوهّاب النجديّ؛ فليس بعالم بأيِّ علم من العلوم أصلاً!

فلا تظنّوا أنّكم تمتلكون الحقيقةَ، أو أنّكم أكثرُ من يمتلكها، فيتوجّب عليكم تعليمها!

هذا باطل حتماً في الاعتقادات قبل الفروع!

وإنني أحذّركم من أنّ استمراركم في هذا المنهج (التهييجيّ) سيشرخ بلاد الشام، ويَفضُّ الناسَ من حولكم، وربما تسبّبتم بفتنٍ يتّسع خرقها على الراقع!

عندما تستقرّ لكم الأمورُ، وتتحسّن أحوالُ الناس الاقتصاديّة، ويمسي لديكم فائضٌ من مال؛ فأسّسوا هيئةً لكبار العلماءِ، من شتّى التخصصات، ووظّفوا معهم باحثين أكفاء، ليقوموا بكتابةِ أبحاثٍ علميّةٍ محكّمةٍ في مسائل الخلاف، آنئذٍ سيصلون إلى الصوابِ أو قريباً منه.

وأحيطكم علماً بأنّ الشيخ ناصراً الألباني محدّثٌ، بيد أنّه ضعيف في نقد الحديثِ!

وأضعف منه الشيخ عبدالعزيز ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ شعيب الأرناؤوط، وإنّ اعتمادَ نقدِ هؤلاء؛ لا يُبرئ الذمّة عند الله تعالى، في نظري.

واسألوا عدداً من السلفيين المتخصصين، من أمثال الدكتور عبدالله الشهرانيّ، والدكتور خالد الدريس، والدكتور متعب بن خلف السلميّ، والدكتور عبدالعزيز بن صالح اللحيدان، وأضرابهم، فسيقولون لكم مثل قولي هذا حتماً، إذا لم يستخدموا التقيّةَ والتوريةَ.

ألا هل بلّغتُ؟

اللهم فاشهد.

والحمد لله على كلّ حال.

الاثنين، 10 مارس 2025

          تقويمُ الكتب الإسلامية:

العوامل النفسيّة المؤثّرة على الناقد!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنا: عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ.

رَبَّنا: لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا.

رَبَّنَا: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين).

من الكتبِ التي اقتنيتها من معرض الكتاب العربيّ في استانبول، قبلَ أيّامٍ معدوداتٍ؛ كتابُ «العوامل النفسيّة المؤثّرة في حكم الناقد على الراوي» للدكتور مسعود محروس كونيّ، صدر عن مؤسّسة نماء للبحوث والدراسات، عام (2022م).

جاء الكتابُ في (216) صفحة، أوضح فيها الباحثُ أبرزَ العوامل النفسيّة التي تطرأ على الناقدِ في علوم الجرح والتعديل، في تقويمه لهذا الراوي أو ذاك!

وذكر من بين العوامل النفسيّة؛ كلامَ الأقرانِ بعضهم ببعض، والغضب، والتحامل، والمحاباة، والمبالغة، والاختلاف في التوجّه الفكريّ، والاجتهاد الفقهيّ.

ومن ذلك مسألةُ قول الراوي بخلق القرآن، ومسألة مخالطة الراوي للسلطان بنصح أو عمل، ومسألة أخذ الراوي الأجرة على التحديثِ، ومسألة تناول الراوي النبيذَ على مذهب الكوفيّين.

وقد جمع الباحثُ معلوماتٍ مفيدةً كثيرةً، في مباحثِ كتابه، لكلّ عاملٍ من هذه العوامل النفسيّة.

بيد أنّه كان مسوّغاً لكلّ ما صدر عن النقّاد من تنطّع وتشدّدٍ وضيق صدر، بدعوى أنهم بشرٌ من البشر!

ذكرَ الباحثُ دوافعَ وأسبابَ كلام الأقرانِ، بعضهم في بعض (ص: 46) وحصرها في ثلاثة دوافع: الحسد، والمنافسة، والعداوة والمنافرة، ثم قال:

«ويقف القارئ لهذه المواقف متعجّباً ومتسائلاً: أليس من الأولى أن يكون المطفئ لنيران هذه الأدواء؛ هم أهل العلم؟

فلماذا يقع بينهم ما يقع بين الناس، وهم أهل الاقتداء، والأمر بالمعروفِ، والنهي عن المنكر؟

لا تعدو الإجابةُ على هذا التساؤل كونهم بشراً غيرَ معصومين».

أقول: ممّا ينبغي ملاحظتُه هنا؛ أنّ أحدَ الطرفين هو الحاسد، وهو الذي يثير حفيظَةَ المحسود، ويدفعه إلى الكلام فيه دفعاً.

فالحاسدٌ إنسانٌ ناقصٌ، قليلُ التزكية، قليلُ التربية الإيمانيّة، ولا يجوز بحالٍ من الأحوالِ أن يُعتذر عنه، بمثل ما اعتذر كاتب هذا الكتاب، بقوله (ص: 46): «الحسد قلّما ينفكّ عنه أحدٌ من الناس، إلّا مَن عَصم الله، وهو مرض من الأمراض، يقع فيه العلماء وغيرهم».

هذا كلام غير دقيق، فالمؤمن الصالح؛ لا يحسد أحداً على شيءٍ، بعدما يقرأ قول الله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) وقوله الكريم (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)؟

ما دام الحسدُ شرّاً، يُستعاذ منه، وما دام اللهُ تعالى هو الذي فاضل بين عباده في الرزق والعلم والمنزلة، فعلام تحسد الناسَ؟

أليس الحسدُ في باطنه، اعتراضاً على الله تعالى في أقداره وأفعاله؟

قصة صغيرة بالمناسبة:

كنت أعملُ في الكويت «دهّاناً» وكان كفيلي المحسن الفاضل عبدالله المطوّع القناعي «أبو بدر» وقد حدّثني هو أنّه أحد أغنياء الكويت العشرة.

استمع إلى محاضرة لي، فأعجب بها، فطلب مني أن أزوره في مكتبه في اليوم التالي!

تركت عملي، وزرته، فأثنى عليّ كثيراً، ثم اعتذر مني بعدم انتباهه لما لديّ من علم، وأخرج من مكتبه ظرفاً مختوماً، لم أر ما في داخله، وقال: هذه خمسة آلاف دينار كويتيّ، استعن بها على عملك، وأشرفْ على العمّال، والتفت إلى علمك!

وإذا احتجتَ إلى خمسة آلاف دينار أخرى؛ فأنا حاضر!

قلت له: أنا لا أحسن إدارةَ المالِ يا أبا بدر، أنا طالب علمٍ، أعمل بهذه المهنة لأعيش من ورائها، ريثما يهيّئ الله لي عملاً مناسباً، أستقرّ فيه.

ربما أخذت نقودك هذه، فخسرتُها غداً، أو بعد غدٍ، فمن أين آتيك بخمسة آلاف، أو عشرة آلاف دينار، لا لا يا أبا بدر، أنا هكذا بخير وعافية، ودخلي في كلّ شهر ممتاز، لا يسرّني أن أكون مديناً لأحدٍ بدينارٍ واحد!

قال: لا يا أبا محمود لا، هذه هدية لك، أنت رجل عالم، وحقّك علينا كبير كبير، وهذا بعض حقّك علينا والله!

قلت له: لا والله لا أمسكها بيدي، ولا أقبل منها ديناراً، لكن ما دمت تراني طالب علم؛ فساعدني بالقبولِ في إحدى جامعات السعودية؛ لأكمل دراستيّ، بارك الله تعالى لك في أهلك ومالك.

واستدعاني مرة أخرى في رمضان، فأنفق في ليلةٍ واحدة قرابةَ نصف مليون دينارٍ كويتيّ!

تأثرت كثيراً، حتى بكيتُ، ولم أتمالك نفسي، إعجاباً بفضله وكرمه!

عندما انتبه إليّ؛ قال: لا تَغترَّ يا أبا محمود، والله ما هو بكرمٍ، إنما هو الزكاة وثلث الوالد!

لم أحْسُد أبا بدر، ولم أتطلّع إلى ماله، ولم أقل لو أنه أعطاني كما يعطي الجمعيّات الخيريّة!

بل هو عرض عليّ عشرة آلاف دينار، فرفضت جازماً، وعن طيب خاطر!

عودٌ على بدء:

في إحدى مسائل الاختلاف الفكريّ، وهي مسألة خلق القرآن؛ عرض الباحث للمسألة منذ ابتداء نشأتها (ص: 99) وجعلَ محورَ الحقّ في مسألة خلق القرآن؛ رأيَ أحمد ابن حنبل الخطأ أصلاً، بل لم يكن أحمدُ يَعرف ما يريد!

إذا قلتَ: القرآن مخلوقٌ؛ فأنت كافر!

وإن قلت: القرآن غير مخلوق؛ فأنت مبتدع!

وإن قلت: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فأنت جهميّ.

وإن قلت: القرآن كلام الله تعالى، ولم تقل شيئاً؛ فأنت واقفيّ، والواقفيّ شرٌّ من الجهميّ!

هل هذا موقفُ رجلٍ عالم، يعرف ما يُريد؟

والكلام الذي يقولونه في تفسير موقف أحمدَ؛ ليس إلّا من أجل التسويغ السخيف، وعدم تجرّئهم على القول بأنّ أحمدَ لم يكنْ يعرف هذه المسألةَ، ولا يعرف كيف يجيب بها!

ومن جهلِ الأمّة وتعصّبها؛ تفخيمُ وتعظيم أحمد ابن حنبلٍ؛ لأنه خالفَ السلطان الهاشميّ، وإسقاط مثل الحسين الكرابيسيّ الإمام الفقيه الجبل!

قال الحافظ الذهبيّ: «ولا ريب في أنّ ما ابتدعه الكرابيسيّ، وحرّره في مسألة التلفظ، وأنه مخلوق؛ هو حق، لكن أباه أحمد لئلّا يتذرّع إلى القول بخلق القرآن، فسدّ الباب؛ لأنك لا تقدر أن تُفرز التلفظ من الملفوظ، الذي هو كلام الله، إلّا في ذهنك».

انتبه أخي القارئ إلى قول الذهبيّ: «ابتدعه الكرابيسيّ» ثم إلى قوله بعد كلمات «هو حقّ» تقديس أحمد هي المشكلة في عقولهم!

أمّا اعتذاره عن أحمد؛ فهو بارد متكلَّف، لو كان أحمد يعرف هذا المعنى لقالَه أصلاً، ما الذي يمنعه من قوله؟

عندما قال الكرابيسيّ «تلفّظك بالقرآن؛ غير الملفوظ» بلغ قولُه أحمدَ، فقال: «هذه بدعة»!

فلمّا علم الكرابيسيّ بقول أحمدَ؛ قال: «أيّ شيءٍ نعمل بهذا الصبيّ؟

إن قلنا: مخلوق؛ قال: بدعة!

وإن قلنا: غير مخلوق؛ قال: بدعة»!

وقد تنطّع الإمام أحمد في هذه المسألة إلى درجةٍ مزعجة!

نقل عنه ابن شاذان الهمذاني أنه قال: «من قال: لفظه بالقرآن مخلوق؛ فهو جهميٌّ مخلّد في النار، خالدًا فيها، ثم قال: وهذا شرك باللهِ العظيم» طبقات الحنابلة (1: 109).

وقال أبو بكر السراج: سألتُ أحمدَ عن رجل يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر!

وسألته عمّن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟ قال: جهمي» طبقات الحنابلة (1: 270).

وقال ابن هانئ في مسائله (1865): وسمعت أحمد يقول: أخزى اللهُ الكرابيسي، لا يُجالَسُ، ولا يكلّم، ولا تُكتب كتبه، ولا يجالسُ من جالسه» وذكره بكلام كثير.

وقيل له ما لا أحصي: مَن قال: القرآن مخلوق؛ فهو عندك كافر؟

قال: نعم، هو عندي كافر».

وفي كتاب الإبانة لابن بطة (1: 338): قال المرّوذيُّ: قلت لأبي عبدالله: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو كافر؟

قال: بل هو كافر، مات بِشر المريسيُّ، وخلَفَه حسينٌ الكرابيسي».

بمجرّد أن نقل له المرّوذيُّ قولاً عن الكرابيسيّ؛ رماه بالكفر!

ولو كان أهل الحديثِ في تلك الأيّام، يَعقِلون شيئاً من العلوم العقليّة؛ لقدّموا حسيناً الكرابيسيّ، ولم يلتفتوا إلى قول أحمدَ الذي كان يتخبّط في هذه المسألة غايةَ التخبّط، في الوقت الذي لا تستحقّ الجدالَ بها أصلاً!

الإمامان علي ابن المدينيّ ويحيى بن معين؛ قالا بخلق القرآن، خَوفاً من تَعذيب ابن أبي دُؤاد المعتزليّ الظالم، ثم اعتذرا من أحمد بعذرهما؛ فلم يقبل عذرهما، وأمر بترك الرواية عنهما، وقد ظلّ إلى آخر عمره مستمسكاً بهذا الموقف الباطل من أساسه!   

وقد أطال الباحث في مسألة خلق القرآن، ثم عقد مبحثاً عن تصوّر الإمام أحمد للخِلاف في مسألة خلق القرآن، ليس تحته سوى الاعتذار البارد!

الكتاب بوجهٍ عامٍّ مفيد، لكنّ الباحثَ من أتباع المنهج السلفيّ، فيما ظهر لي، وأتباع المنهج السلفيّ يعظمون أهل الحديثِ، مع أنّ أكثرَهم عامّةٌ، يحسنون «حدّثنا، وأخبرنا» ولا يُحسنون شيئاً وراء ذلك!

فكرة الكتابِ جيّدة جديدةُ الطرح، كما قال مقدّم الكتاب، الدكتور عبدالرزاق أبو البصل، لكنّ معالجة الموضوع تسويغية وتفسيرية، ولم تخرج بنتائج حُكميّة على أفعال أولئك الظالمين من النقّاد!

والبحثُ الذي نحتاجه أكثرَ من هذا البحث؛ هو «الدوافعُ النفسيّة وراء تحديثِ الرواة بأحاديثهم» ومن أمثلة ذلك:

(1) حديث أنس بن مالك: (لا يحب الأنصار إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق) أخرجه البخاري (3783) ومسلم (75)!

(2) وحديثه (توفي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ولم يحفظ القرآن إلّا أربعة، كلهم من الأنصار) أخرجه البخاريّ (3810) ومسلم (2465).

(3) وحديثُه بزيارة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم لأمّ أنس وخالته، ونومه عندهما، وكانت خالتُه تُفلي رأسَ رسول الله من القَمْلِ، أخرجه البخاريّ (2789) ومسلم (1912)!

ما دوافعُه وراءَ هذا كلّه؟

وهل تُقبل أحاديثُه هذه وأمثالها، بعد أن ظهر فيها تعصّبه الشديد لقومه الأنصار؟

وأحاديث أم المؤمنين عائشة، التي فيها أنّه كان يحبّها أشدّ الحبّ، وأنّ الناس كانوا يتحيّنون دورها حتى يتحفوا الرسول بهداياهم.

وكيف نوفّق بين أحاديثها التي من هذا الطراز، وبين نزولِ القرآن العظيم محذّراً لها ومهدّداً ومُوعداً، من مثل قوله تعالى (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) [التحريم].

هل يتناسبُ أن يصدر هذا التهديد المرعبُ، تجاه زوجةٍ كان زوجها كَلِفاً بها؟

وموقف ابن الزبير من مسألة المتعة، وتهديده ابن عباس بأنه سيرجمه لو فعلها، هل هذا الموقف الذي لم يقل به أحدٌ غيره؛ أثرٌ من آثار ولادته مِن نكاح متعة، كما روى ذلك أبو داود الطيالسيّ في مسنده (1742) والنسائيّ في السنن الكبرى (5515) والمستخرج على صحيح مسلم (2873) وشكّ مسلم في صحيحه (1238) فقال: «لَا أَدْرِي مُتْعَةُ الْحَجِّ أَوْ مُتْعَةُ النِّسَاءِ»؟

وهل تركُ ابن الزبير الصلاةَ على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في خطب الجمعة، فقد جاء عن غير واحدٍ من معاصريه أَنَّهُم قَالَ: كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَرْكُهُ ذِكْرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خُطْبَةِ الجمعة!

وَقَوْلُهُ حِينَ كُلِّمَ فِي ذَلِكَ: «إِنَّ لَهُ أُهَيْلَ سُوءٍ، إِذَا ذُكِرَ اسْتَطَالُوا وَمَدُّوا أعناقهم لذكره» أهكذا هم بنو هاشم «أُهَيْلَ سُوءٍ».

الدوافع النفسيّة التي تصاحبُ رواياتِ بعضِ الصحابةِ والتابعين والرواة؛ تحتاج إلى درسٍ عميقٍ، بعيداً عن التسويغ والاعتذار، فنحن نريد الوقوفَ على الحقيقة؛ لنلتزمها وندين الله بها، ومعاذ الله أن يكون هدفُنا ردَّ السنّة، أو الطعنَ في الصحابة، أو التشكيك بعدالتهم، كما يتفلسف الغوغاء الرعاع!

(رَبَّنا: ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا؛ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

هذا.. وصلّى الله على سيّدنا محمّد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.   

والحَمْدُ للهِ على كلِّ حالٍ.